العودة للخلف

ما هو الركود التضخمي؟ وهل نحن مقبلون عليه؟

ما هو الركود التضخمي؟ وهل نحن مقبلون عليه؟

نسمع جميعاً عن مصطلح “التضخّم” Inflation بشكلٍ متكرر في نشرات الأخبار والتحليلات الاقتصادية، بل لعلّنا نعيشه اليوم جميعاً تحت تأثير الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تعصف بالعالم، ولكن مصطلحاً جديداً بدأ يتردد مؤخراً للتحذير من حالة نادرة ومقلقة في الاقتصاد، يُطلق عليها اسم “الركود التضخمي” Stagflation، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتصاعد الأصوات للتحذير منها والاستعداد لها، فما هو الركود التضخمي؟ وكيف يختلف عن التضخم الذي اعتدنا عليه؟ وهل هو مثيرٌ للقلق حقاً؟

ما المقصود بالتضخّم؟ وما أسبابه؟

يُطلق مصطلح التضخّم في الاقتصاد على الحالة التي تتميّز بارتفاع أسعار السلع والخدمات أو انخفاض القدرة الشرائية للعُملة، فإذا كان الشخص بحاجة لـ 100 دولار لشراء سلعةٍ معيّنة، فإن التضخم بنسبة 5% يعني أنه سيضطر إلى دفع 105 دولارات مقابل نفس السلعة، مما يؤثر سلباً على ذوي الدخل المحدود، مثل الموظفين والمتقاعدين، الذين تنخفض قدرتهم الشرائية.

تترافق حالة التضخم عادة مع زيادة النموّ الاقتصادي وانخفاضٍ مستويات البطالة، ويحدث التضخم عادةً إما بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، أو زيادة الطلب على البضائع والخدمات بما يفوق المعروض منها، وزيادة تدفق الأموال بما يفوق الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، أي أن الأموال المتواجدة في السوق تفوق قيمتها قيمة مجمل البضائع والخدمات، لذلك تلجأ الحكومات عادةً في مثل هذه الظروف لرفع معدلات الفائدة بهدف دفع المستثمرين إلى إيداع أموالهم في البنوك لتهدئة الاقتصاد والحدّ من أثر التضخم.

ولكن، تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الخبراء يعتبرون التضخم أمراً لا مفرّ منه، وهو حالة طبيعية ترافق نمو الاقتصاد وزيادة الطلب على البضائع والخدمات، لذلك تسعى الدول والبنوك المركزية إلى ضبط التضخم عند حدود معيّنة، بل وتفضّل وجود التضخّم بمستويات معقولة ومنضبطة (حوالي 2%) على انعدامه خوفاً من الدخول في حالةٍ معاكسة هي “الانكماش”.

ما هو الركود التضخمي؟ وكيف يختلف عن التضخم؟

هنا تكمن مشكلة الركود التضخمي، أي في ترافق التضخّم مع ركود الاقتصاد بدلاً من انتعاشه، وعلى الرغم من أن هذا المزيج يبدو متناقضاً وغير ممكن، إلا أنه يحدث بالفعل، وقد حدث في الولايات المتحدة وأوروبا خلال سبعينيات القرن الماضي، ولا تزال أسباب الركود التضخمي في تلك الفترة موضع نقاش وجدل بين الخبراء الاقتصاديين.

إذاً يمكن تعريف الركود التضخمي على أنه توليفة سيئة ونادرة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات (تضخّم) مع نموٍ اقتصادي ضئيل للغاية أو معدوم ومعدلات بطالة عالية (ركود)، ويصف البعض هذه الحالة بأنها خرقٌ لقواعد الاقتصاد المُعتادة!

اقرأ أيضاً: عيد الميلاد من وجهة نظر اقتصادية

يحدث الركود التضخمي لأسبابٍ عديدة، على رأسها السياسات المالية الخاطئة للحكومات والبنوك المركزية، مثل الزيادة الكبيرة في المعروض النقدي والقوانين المُضرّة بالصناعة والاستثمار ورفع معدلات الفائدة بشكلٍ مبالغ فيه، ولا سيما إذا ترافقت هذه السياسات الخاطئة مع اضطراب سلاسل التوريد والصدمات الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وقلة المعروض من السلع والبضائع.

يُعتبر الركود التضخمي خطراً للغاية على الاقتصاد، فوجود التضّخم يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وانخفاض القدرة الشرائية للعملة، كما تنخفض أرباح الشركات نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج وانخفاض المبيعات نتيجة ضعف القدرة الشرائية للناس، مما يؤدي إلى انخفاض أسعار الأسهم، ولتعويض الخسارة، تلجأ الشركات إلى تسريح موظفيها فترتفع معدّلات البطالة وتزداد المشكلة سوءاً.

في مواجهة الركود التضخمي، تجد الدول نفسها أمام مأزق، فالتناقض الحاصل بسبب ترافق تباطؤ النمو الاقتصادي مع ارتفاع مستويات التضخم يفرض على الحكومات التضحية بشيء على حساب الآخر، والحل الأكثر حكمة ومنطقية في مثل هذه الحالة يكون عبر رفع مستويات الفائدة والتضحية بالنمو الاقتصادي مقابل الحدّ من التضخم وارتفاع الأسعار، على أساس القاعدة الاقتصادية التي تقول بأن السوق يتعافى من البطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي أسرع مما يتعافى من التضخّم وارتفاع الأسعار.

هل يتجه العالم عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، نحو الركود التضخمي؟

في شهر يونيو/حزيران من العام الحالي، حذّر البنك الدولي من خطر الركود التضخمي نتيجة التباطؤ الحاد في النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع مستويات التضخّم إلى أرقامٍ قياسية، ويحدث ذلك في ظل الأزمات التي يعيشها العالم على وقع الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية على وجهٍ خاص، يسترجع الخبراء ما حدث في سبعينيات القرن الماضي حين دخل الاقتصاد الأمريكي في حالةٍ من الركود التضخمّي استمرّت لسنوات، ويحذّرون من تكرار السيناريو نفسه في ظل تشابه الظروف التي سادت في تلك الفترة مع الظروف الحالية، مثل ارتفاع أسعار النفط والغذاء والمواد الخام وتباطؤ معدلات النموّ العالمي.

ففي شهر مارس/آذار من العام الحالي، حذّر الاقتصادي لاري سامرز، وهو وزير خزانةٍ سابق، من أن سياسات البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ربما تقود إلى حالة الركود التضخمي، وأيدته في تلك التحذيرات مؤسسات عريقة أخرى مثل جولدمان ساكس وبلاك روك.

اقرأ أيضاً: 10 نصائح للمبتدئين في عالم الاستثمار

ووفقاً لتقرير صادر عن رابطة صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن 80% من الخبراء يعتبرون الركود التضخمي أهم المخاطر بعيدة الأمد التي تهدد الاقتصاد الأمريكي.

من ناحية أخرى، يعتقد خبراء آخرون أن هذه التحذيرات مبالغٌ فيها وأن الاقتصاد الأمريكي بعيد عن خطر الركود التضخمي لاختلاف بنية الاقتصاد الأمريكي اليوم عمّا كانت عليه في سبعينات القرن الماضي، ويقولون بأن التحذيرات لو صحّت فإن الاقتصاد الأمريكي كان يجب أن يكون قد دخل بالفعل في هذه الحالة بعد التعرّض لصدمات ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد، وخصوصاً وأن العالم لم يستعد عافيته بعد من أزمة وباء كوفيد-19، إلا أن ذلك كله لم يحدث كما يبدو!

مع ذلك، يدعو الخبراء بإجماعٍ شبه تامٍ تقريباً لضرورة مراقبة الاقتصاد الأمريكي والعالمي بدقّة وأخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الدخول في حالة الركود التضخمي، ولا سيما في ظل وصول مستويات التضخم إلى مستوياتٍ قياسية، وتوقّع الأسوأ مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والأزمات السياسية الأخرى التي تعصف بالعالم، مثل التوترات بين الصين وتايوان، وبين صربيا وكوسوفو أيضاً.

 

هل ترى أي فرصة للتداول؟

افتح حسابك الآن

تابعونا عبر السوشال ميديا

أحدث المقالات

  • الثورة الصناعية الرابعة
  • الملاءة المالية
  • توزيعات الأرباح