العودة للخلف

الحروب والاقتصاد

الحروب والاقتصاد

لطالما كانت الحروب مكلفة للغاية، مكلفة من الناحية الإنسانية بسبب سقوط الضحايا والجرحى والإعاقات الدائمة جسدياً ونفسياً، ومكلفة اقتصادياً أيضاً، والكلفة الاقتصادية قد تكون مباشرة وظاهرة للعيان مثل تدمير المباني والمصانع والمشافي والبنى التحتية من جسور وطرق وغيرها، أو غير مباشرة وخفية، لا تظهر آثارها مباشرة، ولكنها مؤثرة للغاية ويمكن للناس الإحساس بها.

عند نشوب الحروب تضطرب النظم الاقتصادية المستقرة التي تشكلت على مرّ السنين وتتعطل سلاسل التوريد وتقل اليد العاملة وتسود حالة من انعدام اليقين الاقتصادي وترتفع معدلات التضخم والديون الخارجية للدول المنخرطة في الحروب، ويُهجّر الناس من بيوتهم ومصانعهم ومزارعهم، وكلّ هذا يترك أثراً عميقاً على الاقتصاد.

مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ

هناك رأي غريب بعض الشيء ولكنه موجود بقوّة، ويدّعي أصحاب هذا الرأي أن الحروب مفيدة على الصعيد الاقتصادي، كونها تنشط العديد من القطاعات مثل صناعة الأسلحة وإعادة ترميم البنى التحتية مما يخلق المزيد من الوظائف وينشط الاقتصاد وتقل البطالة ويتم التحفيز على الابتكار والإبداع لخلق الحلول، إلا أن رافضي هذا الرأي يقولون بأن الأموال والجهود التي تُبذل على صناعة الأسلحة وترميم ما خلفته الحرب من الدمار كان من الممكن أن يُنفق على تطوير البنى التحتية وتحسين التعليم والقطاع الصحيّ وزيادة رفاهية السكان، ويُطلق على هذا اسم “كلفة الفرصة الضائعة” أو opportunity cost، ففي حرب العراق مثلاً، بلغت كلفة الفرصة الضائعة حوالي 860 مليار دولار حتى العام 2009.

في الواقع، تستفيد بعض الدول من الحروب بالفعل، ففي أول سنتين من الحرب العالمية الثانية مثلاً، استفادت الولايات المتحدة الأمريكية من بيع الأسلحة للدول المشاركة في الحرب، ولا سيما للمملكة المتحدة، التي لجأت بدورها للاستدانة من الولايات المتحدة لتغطية نفقات الحرب، واحتاجت سنوات طويلة لسداد تلك الديون.

بشكلٍ عام، يمكن لبعض الدول أن تحقق منافع اقتصادية إذا خاضت حروباً خارج أرضها، وهو ما حققته الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها في فيتنام وكوريا مثلاً، حيث يزداد الطلب المحلي وتنشط العديد من الشركات، ولا سيما شركات صناعة الأسلحة والمعدّات اللازمة للحروب، فيما تكون الأضرار كارثية على الدول التي تجري الحروب على أرضها، كما هو الحال في الحروب الأهلية، حيث تتعطل السياحة وينخفض الناتج المحلي الإجمالي وينسحب المستثمرون الأجانب.

الحرب الروسية الأوكرانية

اطلع على: ماذا تفعل عند انهيار سوق الأسهم ؟

أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً نظراً لكون روسيا إحدى أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز عالمياً، وبسبب فرض العقوبات الأوروبية الأمريكية عليها، تراجعت واردات الطاقة عالمياً وارتفعت الأسعار.

تؤثر الحرب بشكلٍ كبير على اقتصادات الدول النامية في أوروبا وآسيا، ولا سيما بعد حالة الجمود والتباطؤ الاقتصادي في أعقاب جائحة كوفيد-19.

تحتل روسيا المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج النفط، والثالثة في إنتاج الغاز الطبيعي وهي ضمن أكبر 5 مصدرين للمعادن مثل الحديد والنيكل والألمنيوم، كما تُعتبر أكبر مصدر للحبوب في العالم، وفي المقابل تحتل أوكرانيا المرتبة الأولى في إنتاج عبّاد الشمس والسادسة في إنتاج الذرة والسابعة في إنتاج الحبوب، وقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطراب توريد جميع السلع السابقة وارتفاع أسعارها.

على وقع الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفعت أسعار النفط (خام برنت) من حدود 77 دولاراً في بداية العالم لتصل اليوم إلى 104 دولارات (24 يوليو/تموز) بعد أن وصلت إلى حوالي 123 دولاراً في بدايات شهر مارس/آذار، فيما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 45% تقريباً ما بين شهري يناير/كانون الثاني ومارس/آذار.

لم يقتصر تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على أسعار النفط والغاز، بل ارتفعت أسعار الحبوب والغذاء بشكلٍ كبير بعد أن علقت ملايين الأطنان من الحبوب الأوكرانية في البلاد بعد تعطل موانئ أوكرانيا المطلّة على البحر الأسود، حتى أن المنظمات الدولية والإنسانية بدأت بالتحذير من مجاعات كُبرى في العديد من الدول.

إضافة إلى ما سبق، تأثر سوق السيارات بشكلٍ كبير نتيجة اضطراب توريد المعادن الخام، مثل الحديد ومعدن النيكل الضروري لصناعة البطاريات الخاصة بالسيارات الكهربائية وكذلك معدن البالديوم المُستخدم في صناعة الأجهزة التي تخفف انبعاثات الكربون من السيارات وصناعة أنصاف النواقل، حيث تُعتبر روسيا أكبر منتج لمعدن البالديوم وثالث أكبر منتج لمعدن النيكل في العالم، كما تأثر توريد أنصاف النواقل المُستخدمة في صناعة السيارات أيضاً بشكلٍ كبير بسبب تعطل تصدير غاز النيون من أوكرانيا، والتي تُعتبر أكبر منتج لهذا الغاز في العالم بنسبة 70% من مجمل الإنتاج العالمي، ولا سيما بعد تعطّل مينائي أوديسا وماريوبول، وهما المدينتان اللتان كانتا تنتجان حوالي 30,000 متر مكعب من غاز النيون شهرياً عبر مصنعي Ingas وCryoin، ولا شك بأن جميع هذه العوامل أدت إلى ارتفاع أسعار السيارات عالمياً، بل توقفت بعض معامل السيارات في أوروبا الشرقية عن العمل نهائياً.

من ناحية أخرى، كان للحرب تأثيرها العميق على قطاع النقل والشحن الدولي، حيث ارتفعت أسعار وقود الطائرات، كما قامت دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بمنع شركات الطيران الروسية من استخدام أجوائها، وردت روسيا بالمثل، مما اضطر شركات الطيران لقطع مسافات إضافية للوصول إلى وجهاتها، مما رفع كلفة الرحلات الجوية بشكلٍ أكبر.

بالإضافة إلى ذلك، مُنعت شركات الشحن الأوروبية عبر السكك الحديدية من التعامل مع شركات السكك الحديدية الروسية، ما أدى إلى اضطراب حركة الشحن بين آسيا وأوروبا.

اقتصاد العالم إلى انكماش

في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي 2021، أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCED تقريرها حول توقعات النمو العالمي للعام 2022، وتوقعت نمواً بنسبة 4.5%، ولكن وبعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية خفضت المنظمة توقعاتها إلى 3%، وتتوقع أن ينخفض المعدل إلى 2.8% في العام 2023، وهي أرقام قابلة للتعديل للأفضل أو الأسوأ بناءً على مجريات الأحداث.

يتوقع الخبراء أن تعاني اقتصادات روسيا وأوكرانيا والاقتصادات الأوروبية عموماً من حالة انكماش عميق خلال العام الحالي 2022 تحت ضغط الحرب والعقوبات المتبادلة، حيث يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 7.5% على الرغم من استفادة روسيا من ارتفاع أسعار النفط والغاز واتخاذها تدابير اقتصادية وقائية، إلا أن العقوبات الواسعة على الشركات الروسية والقطاع المصرفي وتجميد الاحتياطيات الأجنبية من الذهب والعملات ستؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي بكل الأحوال.

أما الاقتصادات الأوروبية بدورها ستواجه مخاطر اقتصادية جمّة، حيث تبدو أوروبا بوضعٍ حرجٍ للغاية نتيجة اعتمادها على النفط والغاز الروسيين وصعوبة التخلّي عنهما على المدى المتوسط والقصير، إذ تأتي 40% من واردات أوروبا من الغاز من روسيا، وباتت الدول الأوروبية معرضة لخطر التضخم بشكلٍ كبير، حيث يُتوقع أن يرتفع التضخم بنسبة 1.5 نقطة مئوية على الأقل خلال 2022 وانخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنقطة مئوية واحدة، أما إذا تم إيقاف واردات الطاقة الروسية نهائياً وبشكلٍ مفاجئ فإن الأرقام السابقة ستزداد سوءاً بلا شك.

تبدو الصورة قاتمة وسوداوية بالنسبة لأوروبا وروسيا على وجه الخصوص، إلا أن تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية لن تقتصر على أوروبا فحسب، بل ستمتد لتشمل العالم بأسره، وهو ما تتم ملاحظته من خلال ارتفاع أسعار السلع عموماً واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أجور الشحن، وستكون الدول المستوردة للنفط والغاز والحبوب والدول الفقيرة الأكثر تأثراً بتبعات الحرب، ولا سيما وأن هذه الحرب جاءت في وقتً كان العالم يحاول فيه التعافي من تبعات وباء كوفيد-19.

التعليقات

هل ترى أي فرصة للتداول؟ قم بفتح حسابا للتداول الآن!

افتح حسابك الآن

تابعونا عبر السوشال ميديا

أحدث المقالات

  • الذهب يتألق من جديد
  • التعليقات
  • انهيار بنك كريدي سويس الازمة المالية في اروبا
  • التعليقات
  • انهيار بنك سيليكون فالي
  • التعليقات
  • التعليقات
التعليقات